خليل الصفدي
82
أعيان العصر وأعوان النصر
1029 - عبد القاهر بن محمد « 1 » ابن عبد الواحد بن موسى القاضي الأديب الخطيب الشافعي جمال الدين أبو بكر البخاري ثم التبريزي . كان ذا شكالة وعمّة ، وحركات وهمّة ، أبيض اللحية نقيها ، أحمر الوجنة ورديها ، عليه قبول ، وللنفس إليه تشوق وبه ذهول ، مغرى بالأدب ، موفر الهمة في تحصيله والطلب ، يشعر مثل الصبا إذا هبت ، والقطر إذا نبت ، وينثر الدر من فيه نثرا ، ويكتب الرقعة صغرى كانت وكبرى ، لم تخرج تبريز مثل كلمة الإبريز . تولى القضاء بسلمية وعجلون ، وقضاء القضاة بصفد ، وختم ذلك بقضاء دمياط ، وأقام بها إلى أن جاءه الأمر الذي لا يدفع بالأعلاط . وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في جمادى الآخرة سنة أربعين وسبعمائة . ومولده بحرّان سنة ثمان وأربعين وستمائة . واشتغل ونشأ بدمشق ، وتفقّه للشافعي ، وجاءنا قاضي القضاة إلى صفد في أيام قاضي القضاة جمال الدين الزرعي ، لما كان بدمشق ، ولم يزل تلك المدة إلى أن عزل ، وتولى القضاء جلال الدين القزويني « 2 » ، فعزله من صفد ، ثم إنني رأيته بالقاهرة مرات ، وولي قضاء دمياط مرات ، وآخر عهدي به في سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة . قال شيخنا الذهبي : فيما ذاكرني به - يعني القاضي جمال الدين التبريزي - قال : ماتت أمي بنت عشرين سنة ، وكان أبي تاجرا ذا مال ، فقدم بي إلى دمشق ، وأنا ابن ست سنين فمات ، وكفلني عمي عبد الخالق ، ورجع إلى حرّان ، وباع أملاكنا بثمانين ألفا ، ثم قال لي يوما : امض بنا ، فمضى بنا نحو ميدان الحصا ، وعرج بي ، فوثب علي وخنقني فغشيت ، فرماني في حفرة ، وطمّ علي المدر والحجارة ، فأبقى كذلك إلى أربعة أيام ، فمرّ رجل صالح ، كان برباط الإسكاف عرفته بعد ثلاثين سنة فبكر يتلو ، ومرّ بجسرا بن شواش ثم إلى القطائع ، فجلس يبول ، وكنت أحرّك رجلي ، فرأى المدر يتحرك ، فظنّه حيّة ، فقلب
--> ( 1 ) انظر : الوافي بالوفيات : 19 / 54 ، وفوات الوفيات : 2 / 367 ، والدرر الكامنة : 2 / 394 ، وتذكرة النبيه : 2 / 320 . ( 2 ) القزويني هو : علي بن محمد بن أحمد جلال الدين القزويني ، عالم بفقه الشافعية له نظم ونثر وأدب من أهل قزوين سكن بغداد ودرس فيها ثم انتقل إلى دمشق حتى توفي في سنة 745 ه له تصانيف منها « شرح المصابيح » للبغوي و « المحيط بفتاوي أقطار البسيط » و « العجائب » في النحو و « الرغائب » في التصريف ، و « اللطائف » وشرح المقامات الحريرية . ( انظر : نكت الهميان : 203 ، وهدية العارفين : 1 / 719 ) .